الثعلبي
238
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
فلمّا كان الليل أمر لهم بمثل أي فرش ، فقال : لينم كلّ أخوين منكم على مثال ، فلمّا بقي بنيامين وحده ، قال يوسف ( عليه السلام ) : هذا ينام معي على فراشي فبات معه فجعل يوسف يضمّه إليه ويشمّ خدّه حتى أصبح فجعل روبيل يقول : ما رأينا مثل هذا ، فلمّا أصبح قال لهم : إنّي أرى هذا الرجل الذي جئتم به ليس معه ثان فسأضمّه إليّ فيكون منزله معي ، ثمّ أنزلهم [ معه ] ، وأجرى عليهم الطعام والشراب وأنزل أخاه لأمّه معه فذلك ، قوله تعالى : آوى إِلَيْهِ أَخاهُ فلمّا خلا به قال له : ما اسمك ؟ قال : بنيامين . قال ابن من يا بنيامين ؟ قال : ابن المثكل ، وذلك أنّه لما ولد هلكت أمّه ، قال : وما اسمها ؟ قال : راحيل بنت لاوي بن ناحور ، قال : فهل لك بنون ؟ قال : نعم ، عشر بنين وقد اشتققت أسماءهم من اسم أخ لي من أمّي هلك ، قال : لقد اضطرّك إلى ذاك حزن شديد ، قال : فما سمّيتهم ؟ قال : بالعا وأخيرا وأثكل وأحيا وكنر ونعمان وادر وأرس وحيتم وميثم ، قال فما هذه ؟ قال : إما بالعا فإنّ أخي قد ابتلعته الأرض ، وأما أخيرا فإنه بكر أبي لأمّي ، وأمّا أثكل فإنّه كان أخي لأبي وأمي وسنّي ، وأما كثير فإنّه خير حبيب كان ، وأمّا نعمان فإنه ناعم بين أبويه وأمّا أدّر فإنّه كان بمنزلة الورد في الحسن ، قال : وأما أرس فإنّه كان بمنزلة الرأس من الجسد ، وأما حيتم فأعلمني أنّه حيّ ، وأمّا ميثم فلو رأيته قرّت عيني . فقال يوسف : أتحبّ أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك ؟ فقال بنيامين : ومن يجد أخا مثلك ؟ ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل ، فبكى يوسف ( عليه السلام ) وقام إليه وعانقه و قالَ له : إِنِّي أَنَا أَخُوكَ يوسف فَلا تَبْتَئِسْ فلا تحزن بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لشيء فعلوه بنا فيما مضى ؛ فإنّ الله قد أحسن إلينا ولا تعلمهم شيئا ممّا علمت . وقال عبد الصمد بن معقل : سمعت وهب بن منبه وسئل عن قول يوسف لأخيه : إِنِّي أَنَا أَخُوكَ ، فقيل له كيف آخاه حين أخذ بالصواع وقد كان أخبره أنّه أخوه ، وأنتم تزعمون أنّه لم يزل متنكّرا لهم يكابرهم حتى رجعوا ؟ فقال : إنّه لم يعترف له بالنسبة ولكنّه قال : أنا أخوك مكان أخيك الهالك ، ومثله قال الشعبي ، قال : لم يقل له : أنا يوسف ، ولكن أراد أن يطيّب نفسه « 1 » . ومجاز الآية أي : أَنَا أَخُوكَ بدل أخيك المفقود فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ فلا تشتك ولا تحزن لشيء سلف من إخوتك إليك في نفسك وفي أخيك من أمّك ، وما كانوا يفعلون قبل اليوم بك ، ثمّ أوفى يوسف لإخوته الكيل وحمل لهم بعيرا ، وحمل لبنيامين بعيرا باسمه كما حمل لهم ، ثمّ أمر بسقاية الملك فجعل في رحل بنيامين ، قال السدّي : جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ، والأخ لا يشعر .
--> ( 1 ) تفسير الطبري : 13 / 21 .